امروز: جمعه, ۲۶ تیر ۱۴۰۵ برابر با ۰۴ صفر ۱۴۴۸ قمری و ۱۸ ژوئیه ۲۰۲۶ میلادی
کد خبر: 559661
۰
PNAZAR
نسخه چاپی

الاستعمار لم ينتهِ… بل غيّر أدواته ومعركة الوعي هي الأخطر

وكالة مهر للأنباء، رسول حسين أبو السبح: في ظل التحولات الدولية المتسارعة وتبدّل أدوات النفوذ العالمي، يبرز سؤال الاستقلال بوصفه أحد أكثر القضايا إلحاحًا في العالم الإسلامي، وفي هذه المقابلة الخاصة مع «صحيفة مهر»، يقدّم سماحة الشيخ عادل الزرقاني قراءة فكرية وسياسية لمفهوم الاستقلال، متناولًا أبعاد الهيمنة الحديثة، ومخاطر التبعية الثقافية، وفرص العالم الإسلامي في بناء قرار سيادي مستقل، فضلًا عن دور المرجعيات الدينية والأجيال الشابة في صناعة مستقبل أكثر قدرة على مواجهة التحديات.

يُعدّ سماحة الشيخ عادل الزرگاني من الوجوه العلمية والثقافية البارزة في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف. فهو كاتب وباحث في الفكر الإسلامي والدراسات التاريخية، وصاحب ما يقارب سبعين مؤلفًا تناولت موضوعات فكرية وعقدية وتاريخية متنوعة.

تلقى علومه على أيدي عدد من كبار أساتذة الحوزة العلمية، من بينهم آية الله العظمى الشيخ بشير النجفي، وآية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم، وآية الله السيد علي السبزواري، وآخرون من أعلام المدرسة الدينية، ويشغل حاليًا منصب مدير قسم الوكلاء والمعتمدين في مكتب المرجع الديني الكبير الشيخ بشير النجفي (دام ظله).

في هذا الحوار الخاص مع وكالة مهر، يسلّط الشيخ الزرقاني الضوء على مفهوم الاستقلال في العصر الحديث، ويجيب عن جملة من الأسئلة المرتبطة بالهيمنة الدولية، والتحديات الثقافية، ومستقبل العالم الإسلامي في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة.

سماحة الشيخ، في الوقت الذي يعتقد فيه البعض أن عصر الاستعمار قد ، ما زالت قيادات العالم الإسلامي تؤكد ضرورة التمسك بالاستقلال، فهل تغيرت أشكال الهيمنة الدولية بحيث أصبح الاستقلال اليوم أكثر إلحاحًا مما كان عليه في الماضي؟

السؤال مهم جدًا؛ لأن كثيرًا من الناس يظنون أن الاستعمار بخروج الجيوش الأجنبية ورفع أعلام الدول الوطنية، بينما الواقع يؤكد أن الهيمنة لم تنتهِ، بل غيّرت أدواتها وأشكالها.

فالاستعمار التقليدي كان قائمًا على الاحتلال العسكري المباشر، أما اليوم فقد تحوّل في كثير من الأحيان إلى هيمنة اقتصادية وثقافية وإعلامية وسياسية تمارس تأثيرها من خلال التحكم بالأسواق العالمية والعقوبات والديون وإعادة تشكيل وعي المجتمعات وهويتها.

ومن هنا فإن الاستقلال في عصرنا لم يعد يعني فقط خروج الجندي الأجنبي من أرض الوطن، بل أصبح يعني امتلاك القرار السياسي الحر والسيادة الاقتصادية والاستقلال الثقافي والحفاظ على الهوية الدينية والحضارية.

وفي مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) يُعد رفض الهيمنة مبدأً أصيلًا يرتبط برفض الظلم والخضوع للطغيان، ولذلك فإن الدعوة إلى الاستقلال اليوم ليست استحضارًا للماضي، بل قراءة واعية لتحديات الحاضر واستعدادًا لبناء مستقبل يحفظ للأمة كرامتها وسيادتها.

سماحة الشيخ، يشهد العالم الإسلامي تحديات متشابكة سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، فإلى أي مدى يمكن الحديث عن استقلال حقيقي في ظل الضغوط الدولية والتبعية الاقتصادية والتأثيرات الفكرية والإعلامية العابرة للحدود؟

الحديث عن استقلال حقيقي أصبح أكثر تعقيدًا من السابق، لأن الهيمنة الحديثة لم تعد تُمارس عبر الاحتلال العسكري المباشر فحسب، بل من خلال منظومة واسعة من الضغوط السياسية والتبعية الاقتصادية والتأثيرات الثقافية والإعلامية.

فكثير من الدول تجد نفسها مضطرة إلى مواءمة قراراتها مع مصالح القوى الكبرى تحت ضغط العقوبات أو التحالفات الدولية، كما أن ضعف الإنتاج المحلي والاعتماد على الاقتصاد الريعي والنظام المالي العالمي أسهم في إضعاف القدرة على اتخاذ القرار المستقل.

ومن هنا فإن الاستقلال الحقيقي يتطلب بناء عناصر القوة الذاتية، والاعتماد على القدرات الوطنية، وصيانة الكرامة الإنسانية، وعدم تحويل الدين إلى غطاء يبرر التبعية أو الخضوع للهيمنة الخارجية.

سماحة الشيخ، يرى بعض المفكرين أن أخطر أنواع التبعية ليست السياسية بل الثقافية، لأنها تستهدف وعي الأمة وهويتها، كيف تقرؤون هذه الرؤية؟ وما أبرز التحديات الثقافية التي تواجه المجتمعات الإسلامية، ولا سيما المجتمعات الشيعية؟

أوافق على أن التبعية الثقافية أخطر من التبعية السياسية، لأنها تستهدف العقل والوعي ومنظومة القيم، وتسعى إلى إعادة تشكيل هوية المجتمعات من الداخل.

فإذا كانت التبعية السياسية قد تفرض نفسها بالقوة، فإن التبعية الثقافية تجعل المجتمعات تتبنى أفكار الآخرين وأنماط حياتهم طوعًا، حتى تتحول إلى حالة من الاستلاب الحضاري.

وفي المجتمعات الشيعية، ولا سيما في العراق وإيران واليمن ولبنان، تبرز تحديات خاصة تتمثل في محاولات إضعاف الارتباط بالهوية الدينية، وتشويه الرموز والمناسبات العقائدية، والترويج لثقافة فردانية استهلاكية تستهدف فئة الشباب بصورة خاصة عبر الفضاء الإلكتروني ووسائل الإعلام الحديثة.

ومواجهة هذه التحديات لا تكون بالانغلاق، وإنما ببناء وعي نقدي راسخ، وتعزيز الثقة بالهوية الإسلامية، والانفتاح الواعي الذي يستفيد من منجزات الآخرين دون التفريط بالثوابت والمبادئ.

سماحة الشيخ، في ظل التحولات الجيوسياسية الراهنة وصعود قوى دولية جديدة، هل يمتلك العالم الإسلامي فرصة تاريخية لتعزيز استقلالية قراره السيادي؟

نعم، أعتقد أن العالم الإسلامي يقف اليوم أمام فرصة تاريخية مهمة في ظل التحولات الدولية وصعود قوى جديدة وتراجع الهيمنة الأحادية.

لقد أثبتت بعض التجارب المعاصرة أن الإرادة السياسية والاعتماد على الذات قادران على الحد من آثار الضغوط الخارجية، وأن الاستقلال ليس شعارًا نظريًا، بل مشروع حضاري يحتاج إلى بناء متواصل لعناصر القوة العلمية والاقتصادية والعسكرية.

لكن هذه الفرصة ما زالت تواجه تحديات حقيقية تتمثل في الانقسامات الداخلية وضعف التكامل بين الدول الإسلامية واستمرار بعض أشكال التبعية السياسية والاقتصادية، فضلًا عن الخطابات التي تزرع روح العجز والاستسلام في نفوس الشعوب.

سماحة الشيخ، إذا كان الاستقلال يمثل أساس الكرامة والسيادة ونهضة الشعوب، فما المرتكزات العملية اللازمة لتحويله إلى مشروع حضاري شامل ومستدام؟ وما دور المرجعيات الدينية في ذلك؟

تحويل الاستقلال إلى مشروع حضاري يتطلب أولًا بناء الإنسان الواعي، وإصلاح منظومة التعليم، وتعزيز الهوية الدينية والوطنية، والانتقال إلى اقتصاد منتج قائم على المعرفة والعلم والتكنولوجيا.

كما يحتاج إلى ترسيخ العدالة الاجتماعية ومكافحة الفساد وبناء مؤسسات قوية، إضافة إلى الاستثمار في البحث العلمي وتعزيز الأمن الغذائي والدوائي ودعم الصناعات الوطنية.

أما المرجعيات الدينية، فإن دورها لا يقتصر على بيان الأحكام الشرعية، بل يمتد إلى صيانة الهوية وتعزيز الوعي وترسيخ ثقافة الكرامة ورفض الظلم والتبعية. وقد اضطلعت المرجعية الدينية عبر التاريخ بأدوار محورية في حماية المجتمعات والحفاظ على وحدتها واستقرارها والدفاع عن قضايا المستضعفين.

برأيكم، ما الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الأجيال الشابة في العالم الإسلامي بشأن قيمة الاستقلال في زمن تعددت فيه أدوات التأثير والهيمنة؟

رسالتي إلى الشباب أن الاستقلال في العصر الحديث ليس مجرد حدود تُحمى أو شعارات تُرفع، بل هو قبل كل شيء سيادة للوعي وامتلاك لحرية التفكير والاختيار.

إن الانبهار بالآخر لا ينبغي أن يتحول إلى ذوبان فيه، كما أن الحداثة والتقدم العلمي لا يقتضيان التخلي عن الهوية والقيم الأصيلة. فالشباب هم الطاقة الحقيقية للأمة، وعليهم أن يوظفوا قدراتهم في البناء والإبداع وصناعة المستقبل.

الاستقلال الحقيقي يبدأ عندما يمتلك الإنسان شجاعة التفكير الحر، والقدرة على بناء مشروعه الحضاري المستقل، المستند إلى جذوره وهويته، والمنفتح في الوقت ذاته على أدوات العصر ومعارفه.

اخيراً..

يؤكد سماحة الشيخ عادل الزرقاني في هذا الحوار مع أن الاستقلال لم يعد مفهومًا سياسيًا محدودًا بحدود الدولة أو السيادة العسكرية، بل أصبح مشروعًا حضاريًا متكاملًا يرتبط ببناء الإنسان والاقتصاد والثقافة والوعي. وبينما تتطور أدوات الهيمنة وتتنوع أشكالها، تبقى معركة الوعي وصيانة الهوية وتعزيز الثقة بالذات من أبرز التحديات التي تواجه العالم الإسلامي اليوم، وهي معركة، كما يرى الشيخ الزرقاني، لا تقل أهمية عن أي مواجهة سياسية أو عسكرية، بل تمثل الأساس الذي تُبنى عليه نهضة الأمم واستقلالها الحقيقي.

//